(Le texte en francais se trouve en bas de page)

Tahar Haddad

الطاهر الحداد ناقد الثقافة و العقليات السائدة

عميره عليّه الصغيّر

الطاهر الحداد ناقد الثقافة و العقليات السائدة يشنّ الحدّاد انتقادا أشمل للثقافة السّائدة في عصره في مفهومها الواسع والضيّق وإن كانت الثقافة العالمة أو الثقافة الشعبيّة أو ثقافة النّخبة وثقافة العامّة، سماتها الرّئيسيّة الجمود والمحافظة وعبادة الماضي وقتل العقل ومحاربة أفكار التّنوير والتّجديد والشواهد من فكر الحدّاد في هذا الموضوع كثيرة خاصة في أشعاره وخواطره ونورد هنا نماذج منها إذ يقول في قصيد « ظلّ الموت » « ونسطو علـى العقـل نسقيـه سمّـا لتسقـط أشلاؤنـا في الرّغـام » ويندّد بتزمّت شيوخ عصره قائلا: « وهــذا الجمـود لديهـم فخـار يعـد لـه النّشء منذ الفطــام » ويشّهر الحدّاد في مواقع عديدة بعقم التّعليم المتّبع في المؤسسات الأهليّة وخاصّة بجامع الزّيتونة من برامج ينعتها بالقصور لخلوّها من العلوم الصّحيحة وكطرق تدريس التي تعتمد على التّلقين وإجهاد الحافظة حيث تقتل العقل وملكة البحث والتّجديد ويثور الحدّاد على عبادة الماضي وتقديس الأسلاف عند الخاصّة والعامّة. « نحن نتّجه بأعمالنا إلى المجهول لا لنعرفه ولكن لنعبد فيه جهلنا المقدس فنجد ماضينا الجميل كما يجد الإنسان معبوده لأننا لم نفهم حوادثه كما وقعت وذلك ما يزيده تغلغلا فينا واستعبادا لحياتنا » . لا يستثنى الحدّاد في حملته على ثقافة البؤس والتخلّف الثقافة الشعبيّة كتصوّرات واعتقادات وسلوكيات وأخلاقيات لم يزدها البؤس الاجتماعي والأميّة إلاّ رسوخا فهو يندّد بالتربية العائليّة التي تغرس في النشء الأوهام والخرافات والجبن الاجتماعي والسّياسي حيث « لا تدع معها مجالا لحركة العقل والفكر ] ….[ فينشأ الأبناء على جهل وحمق وتعصّب لما لقنوا منذ الصّغر » . كما يرى انحطاط المجتمع في انتشار الثقافة الغيبيّة، ثقافة الطّرق والتصوّف والخنوع للأقدار. يقول في قصيد « العلوم »: « جهالتنا يـــا قوم أحنت رؤوسنـا و خيبت العقبى و صبت مصائبا سكنّا لعيـش الغبن طول حيـاتنــا عـلى أن نلقى في المم الرّغـائـب وعهـدتنـا في ذلك طبــل وقبّـة نؤمّـل منهــا أن تصــدّ النّـوائـبـا ونحـيي بها في كـلّ عـام مـواسما وفي كـل أسبوع نقيـم مـلاعبـا وإذ مـــا نصب في لهونا بملمـّـة نقل كان ذا حكما من الله واجبـا نقـابلــه بالصّبر أجمــل صبرنـا وتسليمنا كيمـا يجيـد مجـانب » ورغم اعتبار الحدّاد الشعب في مرتبة الضحيّة وهو مدعاة للشفقة والأخذ باليد فهو لم يتوان على وصفه بالجبن والخوف والسّذاجة والعجز والاستسلام… . وكلّها صفات أخلاقية ونفسانيّة للإنسان المقهور والمستعبد. لكن أين تكمن أسباب هذا الانحطاط الشامل؟ جواب الحدّاد واضح : العلّة فينا. لا نجد في كتابات الحدّاد بحثا عن أعذار لخيبة مجتمعه وسقوط وطنه في الاستعمار- رغم تحميله جانبا من المسؤوليّة- ولا لجوء للأقدار يحمّلها مسؤوليّة الواقع فمقاربته تقوم على استقراء الموجود ومنهجيّة « التّحليل الملموس للواقع الملموس » (حسب عبارة لينين) وهذا ما يتميّز به عن جلّ الإصلاحيين الذين ينتمون إلى حقل الانتماء الإسلامي فهو أقرب إلى التّحليل الماركسي في محاولاته وخاصة التّيار الإرادوي منه المركّز على دور الإنسان في صنع التّاريخ ودور البنى الفوقيّة وخاصة العنصر الثقافي والنفسي في تشكيل الواقع التاريخي في اتّجاه التّثبيت أو التّحريك . يضع الحدّاد مسؤولية « التدلّي » الذي عليه البلاد في الأوّل وبالذّات على النّخب في المجتمع إن كانت تقليديّة أو حديثة. فالنّخبة التّقليديّة من رجال الدّين من مشائخ الزيتونة والطّرق والأشراف والقضاة والمفتين والعدول وكبار الموظّفين وكلّ أصحاب الجاه والنفوذ والسّلطة يحمّلها الحدّاد مسؤولية تخلّف المجتمع لأنّها تعيش على حسابه وخاصة تتحالف مع المستعمر في استعباده يقول الحدّاد عن هؤلاء « الكبراء » « كان كلّ هؤلاء عين السّلطة وعمادها في مدّ سلطانها على البلاد فكانت أخلاق الترفّع عن الصّناعات والأنفة من الاختلاط بسواد الأمّة مناسبة لهم إذ ذاك أما بعد الاحتلال فقد تحوّل ذلك السّلطان الملوكي الذي كان لهم إلى أيدي الفرنسيّين فأمسوا آلة له من لم يرض أو لم ترض به حكومة الاحتلال فله في زاوية بيته أحسن مقام » . وهو ينزع عنهم أي غيرة على الوطن وينعتهم بالانتهازيّة والتكسّب والجري وراء الرّواتب والمناصب لا همّ لهم إلاّ العيش الهادئ فهو يشهّر بهم في قصيد « ضحايا الماضي » : « إنّ ساداتنا أضاعوا تراثا إنّهــم مثلنا كسالي حيارى سيموتـون مثلنا في لـضى الجــوع سكـارى وما هم بسكارى فلدينا هم حارسو مجدنا الضّخـــم وعند الدّخيل ذابوا صغـارا ولدينا عاشوا ضخاما كبارا وأمام القوى كانوا صغــارا في الجرايات همّهم ومناهم ونـراهـم لخيرنا أنصارا » لكن نقمة الحدّاد تتوجّه أكثر لتلك الفئة من الشيوخ ورجال الدّين في التّعليم والقضاء أو في رئاسة الطّرق الدينيّة والتي ينعتها رفيق الحدّاد أحمد الدّرعي »بالاكليروس الإسلامي » فهي حليفة الاستعمار وتتمعّش من خدمتها له وتستغلّ سذاجة العامّة وجهلها لتقف ضد كلّ اصلاح وتجديد وهي سادنة القديم ومكرّسة الجمود في التعليم والقضاء والحياة العامة وقد نصّبت نفسها حارسة للمقدّسات وللماضي ومنحت ذاتها وحدها حقّ تفسير الدّين والقيادة الرّوحيّة للمجتمع .فالمحافظون يشدّون المجتمع إلى الوراء ويجهضون فيه كل خمائر التّجديد والرّقي. ويزخر ديوان الحدّاد بالقصائد التي تفضح دور تلك الفئة من المجتمع نذكر منها هذه الأبيات من قصيد « الخيبة »: « رأوا باسم دين المصطفى أن يتاجـروا فخافوا على الإسلام أن يتناثـرا وقـد أشهـروا الإلحاد في كلّ حــدث كأنّ الذي قالوا نـمـا وتكاثــرا وأنّهم أبطال دين تألّبوا على دوســه كـي يـودعـوه المـقـابــرا فهذا كفور ملحـد حسبمـا اشتهـوا وذلك للإسلام يرصــد ماكـــرا وعندهــم التجـديـد كفر محقّـق ورأي سفور البنت أيضا بلا مـرا ] …[ ومالـهـم مــن ديـــن أحمـــد ذرّة ولكنّهم يبغـون منـه مغـاورا لكن حظّ النخبة الحديثة من نقد الحدّاد ليس أقلّ فإذا كانت النّخبة التقليدية « حارسة للانحطاط » فإن النخبة العصرية قد « تخلّت عن واجبها » حسب الحدّاد حيث ينعتها بالأنانيّة الفرديّة والبحث عن هناء الحياة وعدم الاكتراث بحالة الشعب والأدهى أنّ تلك النخبة التي تعلّمت عن الغرب تجاري المتزمّتين والمحافظين في تصدّيهم للفكر الإصلاحي والمجدّدين والحدّاد كان أحد ضحاياهم خاصة بعد نشر كتابه « امرأتنا في الشريعة والمجتمع » سنة 1930. ويقول الحدّاد في قصيد « زعماؤنا » (1932): « هم فرقتان شيوخ الدّين في جـمـد ونشأة العلم في السّربون منهمـرا هما اللّذان أثـارا الشــرّ وادّعيــا إن ينصرا الدّين حقّا جلّ ما ذكــرا لقد نصرتم جمود الشعب في وحــل حتى رضيتم لـه أن يحكي الحجـرا فصار طوعا لأيديكم كمـا انقلبت وان أمرتم أن يكــن بالأمر مؤتمـرا لا دين، لا عقل، لا إصلاح منتظـرا إلاّ إذا كــان منكـم نبعـه ظهـرا ماذا صنعتم هداة العصر في وطــن أهوت به رجة الأحداث فانحــدرا » يحمّل الحدّاد إذن المثقّفين مسؤولية الانحطاط العام ويفضح ادّعاءاتهم الكاذبة في حماية الدّين وهم بذلك يكرّسون جمود الشعب وجهله كما يتبرّم من ادّعائهم الزعامة الرّوحية للمجتمع والحق المطلق في توجيه الشعب وامتلاك الحقيقة والكلمة الأولى والأخيرة في أمور الدّين والعقل والإصلاح فهو ينفي عنهم زعم ذلك الحق بل يجرّمهم ويعتبرهم مسؤولين على بقاء الشعب في جهله وفقره. كما أن الحدّاد يعتبر المعيار الوحيد في الحكم على صدق النّوايا نحو النّاس هو ما يفعله المرء لخدمة المجتمع فهو لا يرى المثقّف الحقيقي إلاّ ذلك « المثقّف العضوي » بالمفهوم القرامشي المضحّي بمصلحته الخاصة لفائدة المصلحة العامة والعامل فعلا من أجل خلاص هؤلاء البسطاء وتوعيتهم من أجل التحرّر الاجتماعي والوطني. في رأيه « زعماء الشعب هم الذين ينكرون حقوقهم الشخصيّة ومكاسبهم وروابطهم العائلية إذ كانت تعوقهم عن عملهم الذي خلقوا من أجله، والكاذبون هم الذين يتصلون بالشعب لتوفية هذه المصالح أو بالقدر الذي لا يعطّل من نموّها اذا عزّ الحظ وحكم القدر » . عميره عليّه الصغيّر مؤرخ

Tahar Haddad, critique de la culture et de la pensée dominantes

Tahar Haddad est né en 1899 et est décédé en 1935 (à l’âge de 35 ans) en Tunisie, il y a donc plus de 80 ans, et pourtant sa critique de la culture dominante est aujourd’hui encore très pertinente. Militant nationaliste et syndicaliste de la première heure, cet intellectuel organique, au sens gramscien du terme, ne concevait la libération de son peuple que s’il parvenait à se libérer des handicaps de sa culture ancestrale. Tahar Haddad était un fervent croyant en la science et en la Raison, piliers de tout progrès et de toute civilisation, comme il n’a cessé de le dire.  Le rationaliste qu’il était, critiquait tout fatalisme et toute résignation, d’origine religieuse ou à cause de la fidélité aux traditions.

Il considérait que les raisons de la déchéance de son peuple (avec la colonisation, la misère, les maladies, etc. qui en ont résulté) se trouvaient dans sa culture même. C’est pourquoi, tout au long de son œuvre, en prose ou en vers, il a stigmatisé l’apathie et la passivité de son peuple, qu’il rendait responsable de cette situation ; renforcées par  ce que son ami et autre intellectuel engagé, Ahmed Doroi, appelait le clergé musulman. Tous deux honnissaient ces Cheikhs de la Zitouna (Grande mosquée de Tunis) et tous les « enturbannés » qui prétendaient détenir la Vérité, et ne voyaient en eux que des ignorants prétentieux. Tahar Haddad était également critique de cette élite moderniste, sortie des écoles  et universités coloniales. Il la taxait d’arrogance, de suffisance et d’inefficacité politique.

L’approche de Haddad est toujours pertinente en Tunisie et dans le monde islamique. En Tunisie, la coalition islamo-libérale et la volonté affichée des islamistes de remettre en question les acquis sociétaux des Tunisiens et de leur imposer des valeurs dites « identitaires » en ameutant les plus réactionnaires des cheikhs locaux et d’autres importés, confirment ce que cet intellectuel a osé dire et réclamer depuis 1930, c’est à dire qu’Il n’y aura pas de progrès ni de libération sociale, sans révolution culturelle qui balayera ce legs de siècles d’obscurité.

(Par Amira Aleya Sghaier, Historien, professeur à l’université de Tunis)