(الأزمة الخليجية وتداعياتها على المجال المغاربي (خير الدين باشا

شهد يوم 5 جوان الماضي تصعيدا خطيرا في المشهد الخليجي بعد قطع العلاقات الدبلوماسية والحصار المفروض على قطر إذ أن هذه الأزمة كانت نتيجة حتمية للصدامات الحاصلة بين المحورين السعودي-الإماراتي والقطري في المنطقة منذ سنة 2011 وما عكسته من مقاربات مختلفة في قضايا التحول الديمقراطي ومشاركة التيارات الإسلامية في الحياة السياسية.

تحاول هذه الورقة شرح أسباب ومظاهر الأزمة في السياقين الإقليمي والدولي مع التطرق إلى مبررات الحياد الذي اتخذته دول المجال المغاربي الرئيسية من الموضوع.

سياق الأزمة الحالية

شهدت الأشهر الست الأخيرة منعرجات جديدة في صراع المحورين الإقليميين البارزين زاد في تغذيتها الغموض الذي شاب سياسة « دونالد ترامب » الخارجية وفي القلب منها رؤية الإدارة الأمريكية الجديدة لتسوية النزاعات الحاصلة في الشرق الأوسط.

كانت نتيجة ذلك تراجعا كبيرا للدور القطري في الإقليم بعد فترة من الانتعاش النسبي عقب تولي الملك سلمان الحكم في المملكة العربية السعودية حيث سمح التنسيق السعودي-القطري-التركي في الملف السوري خاصة في إعادة إدماج قطر داخل المشهد بعد الانتكاسات التي شهدها هذا الدور عقب التحولات السياسية في مصر سنة 2013.

إلا أن الصراع رجع إلى الاحتدام بعد بروز مؤشرات المرور إلى مرحلة التسويات الشاملة للقضايا الكبرى في المنطقة ومسارعة كل محور إلى ضمان مصالحه فيها.

إثر ذلك شهدت الساحة الليبية باعتبارها نقطة صراع المحورين الرئيسية تراجعا مستمرا لنفوذ قطر منذ توقيع الاتفاق السياسي بين السراج وحفتر برعاية إماراتية والذي كان في جزء كبير منه لصالح هذا الأخير إثر إعادة النظر في النقطة الثامنة من اتفاق الصخيرات مما يعني منطقيا إمكانية قيادة حفتر للجيش الليبي الموحد بعد حصول كافة التفاهمات. حاولت قطر بعد ذلك عن طريق حلفائها السياسيين (حكومة الإنقاذ) أو العسكريين (لواء الصمود و سرايا الدفاع عن بنغازي) الضغط على حكومة الوفاق بشتى الطرق لتغيير المعادلة إلى صالحها أكثر من مرة  لكن النتائج كانت مخيبة بل أدت على النقيض من ذلك إلى تنامي نفوذ قوات عملية الكرامة في الجنوب واستيلائها على منطقة الجفرة الإستراتيجية التي تعتبر الظهير الحمائي لمنطقة الهلال النفطي الأمر الذي يمهد لاستعمالها مستقبلا كنقطة انطلاق عمليات عسكرية شاملة في الغرب الليبي لقربها من مدينتي مصراتة والعاصمة طرابلس.

هذا المتغير أنتج ارتباكا واضحا لدى قطر التي بدأت تخسر أوراقها بشكل متسارع فكانت آخر محاولاتها في هذا الصدد ترويج وسائل إعلامية مقربة منها للتقرير الأخير للأمم المتحدة حول ليبيا والذي اتهم الإمارات العربية المتحدة صراحة بتزويد قوات عملية الكرامة بعدد من الطائرات المروحية بطرق غير مشروعة فضلا عن إشارته إلى تنسيق القيادة العسكرية لهذه القوات مع تنظيم الدولة الإسلامية والإشراف على نقل عناصر التنظيم من بنغازي إلى منطقة بني وليد. غير أن الحملة الإعلامية التي قامت بها قطر في هذا السياق لم تؤد إلى نتائج سياسية تذكر.

في ظلال ديبلوماسية إدارة الأزمة

كان الموقف الدولي من القرارات التي اتخذتها السعودية وحلفاؤها تجاه قطر غير واضح في البداية إلا أن الدبلوماسية القطرية بدأت تشتغل بطريقة أكثر فعالية لاحتواء التبعات السلبية للأزمة. كان التحرك في بدايته مرتكزا على الفضاء الخليجي وشرع في التعويل خاصة على وساطة دولة الكويت لحل الأزمة لدراية الإمارة العميقة بمواقف أطراف النزاع ولتجربتها الناجحة في حل الأزمة الخليجية سنة 2014 إضافة إلى ذلك تمالاستنجاد بسلطنة عمان في المباحثات كذلك لدورها المحوري دبلوماسيا في منطقة الخليجو تاريخهاالعريق من رعاية الوساطات.

إثر فشل الوساطة الخليجية وإرسال مطالب السعودية من قطر مباشرة إلى الإدارة الأمريكية تم تعزيز التحرك الدبلوماسي إقليميا عبر التركيز على المنافسين الاستراتيجيين الكبريين للسعودية تركيا وإيران تجلى هذا خصوصا في زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى أنقرة لتنسيق المواقف الرسمية حول الموضوعثم مسارعة البرلمان التركي على إثر هذه الزيارة إلى المصادقة على تعزيز القوات العسكرية التركية الموجودة في قطركما أن إيران قامت كذلك بإمداد قطر بالمواد الغذائية وإقامة عديد التسهيلات اللوجستية الأخرى. الموقف الإقليمي تركيا وإيرانيا يثبت تخوفا من التأثير السعودي المتنامي على القرار الأمريكي مما يسمح بتغيير جوهري للمعادلة الإقليمية الحالية كما يعكس كذلك قراءة للمتغيرات مؤداها أن قرب مرحلة المفاوضات النهائية حول جملة من الملفات كالملف السوري تعني حتميا بداية التراجع لدور القوى الإقليمية لصالح القوى الدولية.

تحرك تركيا العسكري في دعم قطر يفهم من ورائه ردا غير مباشر على دعم السعودية والإمارات للمحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا قبل عام من الآن وأن الرسالة واضحة بأن الأمن القومي التركي يبدأ من الخليج. في حين أن إيران رأت في هذه القطيعة الخليجية فرصة سانحة لتفتيت المحور المناوئ لها وتعزيز التعاون الاقتصادي الثنائي مع قطر حيث شهدت سنة 2016 تراجعا غير مسبوق في التبادل الاقتصادي بين البلدين وصل إلى 300 مليون دولار. التعاون الإيراني-القطري سيؤدي في صورة تطوره إلى تحكم كبير بسوق الطاقة العالمية خصوصا وأن البلدين يتقاسمان « حقل الشمال » بالخليج العربي وهو أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم.

بعيدا عن الجيران المباشرين آثرت الدبلوماسية القطرية حشد دعم من دول مؤثرة أخرى في العالم الإسلامي على رأسها الباكستان وأندونيسيا حيث أعلنت باكستان عن مساندتها التوسط في الملف كما أعربت عديد القوى الدولية مثل روسيا وألمانيا وفرنسا عن ضرورة الحل السياسي.

التمايز الأوروبي عن الموقف الأمريكي من هذه الأزمة نابع عن عديد الأسباب لعل من أبرزها اقتصاديا وزن قطر في مجال الغاز الطبيعي فضلا عن عمق الاستثمارات القطرية في الأسواق المالية والعقارية الفرنسية والبريطانية يضاف إلى ذلك موقف سياسي خصوصا من ألمانيا التي تتطلع إلى تبوء مكانة القيادة الأولى في الاتحاد الأوروبي بعد انسحاب بريطانيا منه وترى في دعم المفاوضات تعزيزا لأدوار مستقبلية.

الدول المغاربية والموقف من الأحداث

لم يكن المجال المغاربي بمنأى عن خلاف البيت الخليجي حيث اتبعت موريتانيا وحكومة الشرق الليبي موقفا مساندا للمحور السعودي من الإجراءات ضد قطر غير أن اللافت كان الانسجام في اتجاهات الدول الرئيسية (تونس والجزائر والمغرب)حيال الأزمة مع أن مقدمات هذا الموقف ومبرراته لم تكن هي نفسها بالنسبة لكل دولة.

بالرغم من اختلاف الجزائر مع قطر ورؤيتها المتباينة معها في ملفات المنطقة فإنها لم تكن في وارد التوافقمع موقف سعودي يعكس (حسب رؤيتها) امتدادا لمصالح أمريكية قد تشكل تهديدا لأمنها القومي.فضلا عن أننا لا يمكننا نسيان موقف الجزائر من عاصفة الحزم ومعارضتها الصريحة للتدخل السعودي في اليمن الأمر الذي شكل خروجا عن وحدة الصف العربي حينذاك.

الرؤية الجزائربة تنبع كذلك من قراءة استراتيجية للوضع في ليبيا مع تنامي نفوذ قوات عملية الكرامة في الجنوب الليبي بعد الاستيلاء على قاعدة « تمنهنت » الحيوية المشرفة على سبها ثم السيطرة على منطقة الجفرة بوابة الجنوب ما يعني تهديدا مباشرا لمنطقة المجال الحيوي الجزائري من قبل قوى مدعومة من مصر والإمارات. إذ ينبغي أن ندرك في هذا السياق بأن الجزائر قد سعت عقب سقوط نظام القذافي إلى تأمين الحدود الليبية بالتحالف مع ميليشيات « علي كنة » المنتمية لقبائل الطوارق حيث ساهمت هذه القوة العسكرية في صد العديد من الأخطار والتهديدات ليس أقلها محاولات اختراق الحدود الجزائرية من قبل عدد من الميليشيات الإرهابية.

في المقابل فاجئ الموقف المغربي المحايد عديد المراقبين نظرا للتحالفات العريقة والتاريخية بين النظام المغربي والنظام السعودي إلا أن قراءة المشهد في شموليته تحيل إلى جملة من المبررات المنطقية لهذا الحياد من بينها الاتساق في نظرة المغرب لهذا الخلاف مع الرؤية التي تعتمدها عدد من الدول الأوروبية وعلى الأخص فرنسا بعد فوز « ماكرون » بسباق الرئاسة حيث تظهر المؤشرات الموجودة مراجعته للسياسة الفرنسية السابقة في الملفات الإقليمية. كما أن المغرب قد شعر بخيبة أمل من الموقف السعودي والإماراتي الذي كان ينتظر منه مساعدة فاعلة لدى المنتظم الأممي في ملف الصحراء الغربية كمكافئة للمشاركة العسكرية المغربية في عملية عاصفة الحزم.

يلوح في الأفق كذلك توجس من دور سعودي متنام في منطقة الساحل والصحراء بعد انضمام المغرب إلى مجموعة دول غرب إفريقيا حيث أدى امتداد السياسة الخارجية السعودية تحت ستار مواجهة النفوذ الإيراني في عديد الدول مثل السينغال وموريتانيا ونيجيريا ليصبح تهديدا للدور المغربي التقليدي في المنطقة. التخوف هنا (وإن لم يتم الإعلان عنه مباشرة) بأن يصبح النفوذ السعودي هناك أداة ضغط قد تشكل حدا لمكانة إقليمية استغل المغرب جهدا ماديا وسياسيا كبيرا لبنائها والاستثمار فيها خلال العقد الأخير.

السعودية ضمن هذه المعادلة الإقليمية بالذات تتخذ مكان المنافس لا الشريك ولا شك أن المغرب يدرك تبعات هذا الحصار المفروض تجاه قطر على القرارات السيادية للبلدان الموجودة ضمن عمقه الاستراتيجي على غرار موريتانيا والسنغال.لذا يبدي المغرب موقفا دبلوماسيا براغماتيا يهدف إلى الحياد الإيجابي ويحاول استغلال العلاقات القوية التي تربطه بقطر والسعودية على حد سواء في التوسط بفعالية في هذه الأزمة.

أما عن الموقف التونسي فيبدو نتيجة منطقية لكافة التغييرات الحاصلة على الجسم السياسي في تونس منذ الثورة. يمكن القول بأن التجاذب بين المحورين القطري والسعودي- الإماراتي قد اتخذ أبعادا شديدة الخطورة على التحولات في البلاد خصوصا ما بين 2012 و2014 إذ أن تلك الفترة شهدت إعادة التشكل السياسي في تونس على أنقاض النظام القديم وأسهمت هشاشة البنى والتكوينات الحزبية في استغلال المحورين للوضع القائم بدعم القوى التي تخدم مصالحها بشكل مباشر.لكن يحسب للحوار الوطني (على نقائصه) أن قيد بشكل كبير من أخطار هذا التموقع بأن جعل أوراقا كثيرة تخرج من دائرة هذا الاصطفاف الثنائي كما أفرزت الانتخابات التشريعية وزنا حقيقا للأحزاب الفائزة يمكنها من قدر أكبر من تملك سلطة القرار الوطنية والتحكم في دواليب الدولة. لذا ساهمت هذه التطورات في تراجع أثر الأدوار الإقليمية بشكل ملحوظ وإن لم تقض عليها تماما.

لنفهم منطق الحياد الذي اتبعته تونس ينبغي التعرض إلى مجموعة من المنطلقات الرئيسية من أهمها في الجانب الاقتصادي أن قطر كانت من أبرز الأطراف التي شاركت في نجاح مؤتمر الاستثمار الأخير وساهمت فيه بما يتجاوز الملياري دولار من الاستثمارات هذا عدا عن الودائع القطرية السابقة الموجودة في البنك المركزي التونسي مما لا يسمح باتخاذ موقف مناوئ لقطر بالرغم من تورطها المباشر في دعم عدد من لوبيات الفساد التي تمت الإطاحة بشبكاتها مؤخرا. من جهة أخرى فالوضع الإقليمي المباشر والوجود القطري في غرب ليبيا سواء ماديا أو سياسيا وانسجام الموقف التونسي مع الموقف الجزائري هناك يجعل من الصعب على تونس أن تتخذ موقف انحياز واضح للرؤية السعودية خصوصا وأن الموقف الإماراتي والمصري في ليبيا بوجه عام لا يخدم المصالح التونسية بشكل مباشر كما أنه يتعارض مع عدد من المحددات المباشرة للسياسة التونسية.

تبعا لهذه الإحداثيات انخرطت تونس في مساعي الصلح وهو ما شاهدنا فصولا منه في استقبال رئيس الجمهورية لوزير الدولة الإماراتي في مرحلة أولى ثم لوزير الخارجية القطري في مرحلة ثانية لفهم وجهات النظر للأزمة من مختلف الزوايا إلا أن هذا الدورالديبلوماسي لن يكون محوريا بالأساسبل سيكون من جملة جولات وحوارات أخرى قد تقوم بها بعض الدول العربية والإسلامية.

أفرزت الأزمة تبعا لهذا موقفا موحدا من قبل الدول المغاربية الرئيسية من دون سابق اتفاق بل لعل التحديات المشتركة هي ما دفع إلى التقارب الموضوعي. إلا أنه ينبغي تسجيل الاختلاف بأن الموقف الجزائري كان رهانه الرئيسي الحياد العام لتعارضه مع الموقفين السعودي والقطري على حد سواءفي جملة من القضايا في حين تسعى تونس والمغرب إلى حياد إيجابي يقوم على المساهمة الفاعلة في تحقيق المصالحة.

خاتمة

يقول هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وأحد أشهر منظري السياسة الدولية في كتابه « النظام العالمي » الصادر سنة 2013  « ظلت السياسة الخارجية السعودية متميزة بنوع من الحذر الذي رفع المداراة إلى مرتبة فنية خالصة. فلو اتبعت المملكة سياسة متقدمة جدا بجعلها لنفسها بؤرة لسائر النزاعات لباتت عرضة لسيل من التوسلات والتهديدات والتملقات الصادرة عن بلدان أقوى منها بكثير.. ». تشرح هذه المقولة سردية رئيسية قامت عليها الدبلوماسية السعودية لردح طويل من الزمن جعل منها عامل توازن إقليمي في مراحل كثيرة غير أن التطورات الأخيرة تؤشر إلى تغيير هذه الثوابت في اتجاه مشاركة سياسية سعودية من نمط شديد الاختلاف.

تتنبأ عديد التحاليل للأزمة الحالية بموقف جديد ستعلنه السعودية في المستقبل القريب من القضية الفلسطينية وذلك في ارتباط بمبادرة ترامب حول الموضوع (والتي لم يبرز منها أي نقاط واضحة إلى حد الآن). تصريحات وزير الخارجية عادل الجبير حول اعتبار حماس كحركة إرهابية والتبعات القانونية لانتقال جزيرتي تيران وصنافير بالسيادة السعودية ومن بينها مراجعة البروتكول العسكري لمعاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية وضرورة الاتصال السعودي المباشر بالطرف الإسرائيلي لاستكمال أعمال السيادة تعني تحولات كبيرة في مستقبل المنطقة ستكون الولايات المتحدة الدافع الرئيسي في سياق الأحداث فيها.

لنتفق أن الأزمة السياسية الخليجية سيتم حلها سواء كان ذلك عاجلا أم آجلا لكن بأي ثمن سيكون ذلك؟ الرهان سيكون بالتأكيد أكبر من قطر التي تدفع اليوم ثمن انخراطها في طموحات سياسية تتجاوز إمكاناتها بل ما يحدث هو خطوة في إرساء نظام إقليمي جديد ستتغير فيه التحالفات القائمة لتعوضها أخرى ولكن بركائز مختلفة هذه المرة.