Is a political solution in Libya doomed to failure? Ghassan Salamé, the new UN envoy, is facing a tremendously confusing situation, characterized not only by the relative collapse of the Skhirat agreements but also the constant changes in the military balance of power on the ground, between the two major factions (led respectively by Sarraj and Haftar). Both fighting to exert their control over the country, including the Libyan cities where  illegal immigration and smuggling routes converge. With new battles being fought between rival militias for the control of Sabrata, the territorial gains of Marechal Haftar’s « national army », the post-Syrte battle strategy of the « Islamic State », the France and Italy competition and quest for influence , will Salamé be able to advance his strategy for a political solution or will he be confined to the role of crisis management? Faced with this chaos and ever-changing reality on the ground, what will be the answer of Tunisia’s diplomacy? In this paper, Khayreddine Bacha tries to make sense of the Libyan chaos and offers his perspective on the Libyan political and military realities.

Comment démêler l’imbroglio Libyen ? Telle est la tâche de Ghassen Salamé, le nouvel envoyé spécial de l’ONU pour le pays, lequel se trouve dans une situation des plus confuses, aggravée par l’échec relatif des accords de Skhirat et le bouleversement constant des rapports de forces sur le terrain, entre les deux grandes factions rivales (celles de Sarraj et de Haftar). Leur antagonisme est en outre exacerbé par la volonté de contrôle non seulement du territoire libyen, mais aussi des circuits de l’immigration illégale et de contrebande.  Ainsi, avec les batailles pour le contrôle de Sabratha entre milices rivales, les avancées militaires du Maréchal Haftar, la nouvelle stratégie de repositionnement de l’Organisation « Etat islamique », la lutte d’influence Franco-Italienne, Salamé pourra-t-il faire avancer sa stratégie consistant à bâtir un consensus entre Libyens en vue d’une réconciliation nationale, ou sera-t-il confiné au rôle de gestion des crises?  Et quid de la diplomatie Tunisienne face à ce chaos et à ces nouvelles donnes?  Dans cet article, Khayreddine Bacha tente de faire sens du chaos qui prévaut en libye tout en en analysant les réalités politiques et militaires.  ___________________________________________________________________________________

شكل تعيين « غسان سلامة » كمبعوث للأمم المتحدة في ليبيا بداية من 20 جوان الماضي توجها جديدا نحو الحل السياسي للأزمة الليبية شرع التمهيد له في جولة من المحادثات الدولية التي انطلقت منذ أوائل العام الحالي وازدادت وتيرتها في الصائفة الماضية. يبدو المبعوث الجديد من خلال تصريحاته واعيا بصعوبة المهمة التي يتقلدها ومدركا لضبابية مفهوم الهوية الوطنية لدى قسم كبير من النخبة السياسية والاجتماعية الليبية لكن جهوده قد انصبت مع ذلك على طرح خطة متكاملة الأبعاد تنطلق من تعديل الاتفاق السياسي في اتجاه بناء مشروع وطني جديد متكامل الأركان مؤسساتيا واقتصاديا واجتماعيا

في هذا الإطار سيناقش المقال السياق المحلي والدولي لهذه المبادرة مستقرئا الفرص الكامنة والتحديات المفترضة التي ستحيط بمجريات المفاوضات الدائرة

التحولات الأخيرة لخريطة السلاح والسياسة

تمدد عسكري لحفتر مقابل مناورات سياسية لحكومة الوفاق

كان للتغير الذي طرأ على الوضع الإقليمي منذ بدايات الصائفة الماضية بالغ الأثر في تحقيق القائد العسكري « خليفة حفتر » لصعود سريع على الساحة مجددا بعد إعلانه كسب معركة بنغازي وسيطرته على منطقة « سوق الحوت » وسط المدينة أوائل شهر جوان في تزامن مع إقدام تنظيم أنصار الشريعة الذي كان متمركزا في بعض أحياء بنغازي على حل نفسه. أدى هذا الحسم العسكري إلى تداعيات فورية في المنطقة الجنوبية بشروع قوات « مصراتة ٌ في الانسحاب من قاعدة « تمنهنت  » ومنطقة « الجفرة » وهو ما جعل « حفتر » في وضع عسكري مريح يعزز من سيطرته على الهلال النفطي ويفقد خصمه الرئيسي « سرايا الدفاع عن بنغازي » قاعدة عمليات تسمح بالقيام بجملة من التحركات ضد قواته

إثر هذا التقدم بدأ حفتر في مرحلة الاستثمار السياسي لهذه الانتصارات عبر عدد من التحركات الدولية ثم شرع في عملية جديدة في مدينة « درنة » وهي المدينة الوحيدة في الشرق التي لم تعلن ولاءها له

برغم هذه المكاسب لا يزال « حفتر » يفتقد للاعتراف السياسي الدولي بل وصل الأمر إلى ملاحقة بعض قيادات عملية الكرامة بتهم تتعلق بانتهاكات لحقوق الإنسان ومطالب بتسليم الضابط « محمود الورفلي » للمحكمة الجنائية الدولية كما تم توجيه اتهامات ل »حسن الطاطانكي » (رجل أعمال ممول لحفتر) برشوة « أوكامبو » المدعي العام السابق للمحكمة للتغاضي عن الجرائم المرتكبة في معارك بنغازي

مع ذلك تواترت جملة من محاولات قائد عملية الكرامة للتمدد في الجانب الغربي من البلاد إذ قامت حكومة « عبد الله الثني » الموالية له ببرمجة زيارة إلى بعض المناطق هناك أواسط شهر سبتمبر شملت بلدات « غدامس » و « الزنتان » و « بئر الغنم ». مثل هذا التحرك قد يشكل مؤشرا على تفكير قيادة « الجيش الوطني الليبي » في عمليات عسكرية واسعة بالمنطقة مستقبلا خصوصا وأن الكتائب المسيطرة على بلدة زوارة الحدودية (الموالية لحكومة الوفاق الوطني) قد اتهمت حفتر مرارا بمحاولة الاستيلاء على المدينة انطلاقا من قاعدة « الوطية » الجوية قرب الحدود التونسية

أما في الساحة الغربية وبرغم الفشل الذي طال تسيير الشأن الاقتصادي من قبل مؤسسات حكومة الوفاق فقد أنتجت الخطة الأمنية الجديدة المعتمدة للتحكم في العاصمة الليبية مزيدا من التعاون بين قوات الحرس الرئاسي وكتائب ثوار طرابلس بقيادة  » هيثم التاجوري » الأمر الذي مكن من السيطرة شبه التامة على كامل الشريط الأمامي للمدينة وطرد الميليشيات الموالية لحكومة الإنقاذ من عديد النقاط الحيوية كمطار طرابلس وسجن الهضبة

من الناحية الهيكلية قام المجلس الرئاسي بجملة من التعيينات على المستوى الأمني والعسكري ومن ذلك تعيين « عبد الرحمان الطويل » القيادي العسكري المخضرم كرئيس أركان للجيش في تمهيد لخطة توحيد كافة الكتائب والألوية ضمن هرمية عسكرية موحدة

أما سياسيا فقد قام « فايز السراج » رئيس حكومة الوفاق بعدد من المناورات التي تهدف إلى احتواء الانتصارات العسكرية لحفتر سواء كان ذلك في الساحة الخارجية بعقد اتفاق بين المجلس الرئاسي وإيطاليا حول سبل مكافحة الهجرة غير الشرعية وتدريب خفر السواحل وما تلاه من عمليات بحرية للبوارج الإيطالية على السواحل الليبية أو القيام ببعض التحركات الرسمية داخليا كلقاءه لوفود تمثل المنطقة الشرقية من بينها وفد عن بلدية طبرق يوم 3 أكتوبر ومساهمته في لقاء تمهيدي للمصالحة بين القبائل الشرقية و « مصراتة » ضمن خطة بعثة الأمم المتحدة

مع ذلك يظل تعيين « فرج أقعيم » كوكيل لوزارة الداخلية الاختراق السياسي الأبرز ضد الجبهة الشرقية خصوصا وأنه قد سبق لهذا الأخير ترؤس قوة المهام الخاصة ومكافحة الإرهاب في حكومة « عبد الله الثني  » هذا عدا عن سنده الاجتماعي القوي المتمثل في قبيلة « العواقير » التي يشكل منتسبوها العمود الفقري للقوات المسيطرة على مدينة « بنغازي ». يذكر أن « إقعيم » الذي صرح في مواقف سابقة بانتقادات لاذعة لخليفة حفتر وصلت حد اتهامه بالقيام بعملية اختطاف وجرائم قتل خارج إطار القانون كان قد ساهم في كسب قيادات أمنية هامة إلى معسكر الوفاق أبرزها آمر الاستخبارات العسكرية في الشرق « صالح بولغيب »(من قبيلة العواقير كذلك) وهو ما يسمح بالشروع في خطة تتجه نحو هيكلة جديدة للقطاع الأمني في الشرق الليبي

عدا ذلك عرفت الفترة الأخيرة تحديا جديدا لمعسكر الوفاق بعد أن شهد يوم 14 سبتمبر الماضي اندلاع نزاع مسلح في مدينة « صبراتة » (80 كم عن الحدود التونسية) يحمل صبغة عسكرية وعشائرية للسيطرة على المدينة بين كتيبتين مواليتين لحكومة الوفاق وهما « الكتيبة48 مشاة » التابعة لعائلة « الدباشي » صاحبة النفوذ في المدينة (متورطة بشكل مباشر في عمليات الهجرة غير الشرعية وإيواء مقاتلي داعش في المنطقة) و « غرفة عمليات محاربة تنظيم الدولة بصبراتة » من جهة أخرى. وسط الغموض الذي يكتنف أسباب الصراع يرجح أن الأمر يتعلق بانعكاسات الاتفاق السري الذي أبرمته إيطاليا مع « أحمد الدباشي » (الملقب ب »العمو ») قائد « كتيبة أنس الدباشي » وأحد كبار المهربين في المنطقة الذي مكنه من موارد مالية ضخمة مقابل الحد من حركة الهجرة غير الشرعية وهو ما همش فعليا من مكانة الأطراف العسكرية الأخرى في المدينة كانت نتيجة الصراع أخيرا انتصار كتائب « غرفة العمليات » وفرار أنصار الدباشي من صبراتة وسط ترحيب محلي ودولي بنتائج العملية

الأطراف الأخرى ومحاولات جديدة للتموقع

عرفت الآونة الأخيرة بروز شخصية رجل الأعمال الليبي-الأمريكي « عبد الباسط أقطيط » صهر رئيس المجلس اليهودي العالمي » إدغار برونفمان » كطرف جديد في المعادلة الليبية. ف »أقطيط » المعروف بخطبه الناقدة للأوضاع السياسية والاقتصادية المتردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي سبق وأن دعا مناصريه إلى مظاهرات في طرابلس وبعض المدن الليبية الأخرى يوم 25 سبتمبر ترفع شعارت مناهضة للانقسام السياسي

كانت الاستجابة لهذه المظاهرات محدودة بسبب تضييقات القوات التابعة لحكومة الوفاق تجاهها إلا أنه يبدو أن نوعا من المساندة بدأ يظهر لهذا المشروع من قبل بعض الشخصيات الموالية لعملية « فجر ليبيا » سابقا كقيادات في « لواء الصمود » و « سرايا الدفاع عن بنغازي » التي تنظر إليه كأداة ضغط جديدة على حكومة الوفاق خصوصا وأن مشروع « أقطيط » الاقتصادي يعبر عن أفكار فئات واسعة من المجتمع الليبي. لكن تبقى الشكوك التي تحوم حول طموحه المفرط (أعلن اعتزامه تشكيل حكومة في أواخر شهر أكتوبر) وولائه للمصالح الأمريكية عائقا لعدم اكتسابه قاعدة دعم عريضة لتطلعاته السياسية

من زاوية أخرى شرعت الكيانات السياسية والاجتماعية الموالية للنظام السابق في التحرك بقوة بعد الإفراج عن « سيف الإسلام القذافي » من قبل كتيبة « أبو بكر الصديق » في الزنتان فقد بدأ هذا التيار يحاول الظهور على الساحة الليبية بتنظيمه لمظاهرات في عدد من المدن في مناسبتين الأولى عبر التنديد بالتدخل الإيطالي في ليبيا والثانية من خلال الاحتفال بذكرى 1 سبتمبر

بالتوازي مع ذلك كان الزخم الأبرز لهذه الجبهة في الخارج عبر تنفيذها لنشاطات في العاصمة التونسية كما انطلقت في تحركات شملت عديد العواصم الإفريقية ك »كيغالي » و « انجامينا » لاستقطاب رأي دولي مؤيد لإشراكها في العملية السياسية. أنتج هذا الضغط وجهة نظر مناصرة لمشاركة أنصار القذافي في العملية السياسية لدى الاتحاد الإفريقي تم التصريح بها تجاه المبعوث الأممي « غسان سلامة » الذي دعا في هذا السياق إلى مشاركة فاعلة لمنتسبي هذا التيار في المؤتمر السياسي الليبي الذي سينعقد خلال الأسابيع القادمة في العاصمة التونسية

المؤثرات الخارجية بين الشرعية الدولية والمصالح الاستراتيجية

لطالما كانت الأدوار الخارجية عميقة التأثير في التحولات السياسية التي مرت بها ليبيا منذ سنة 2011 غير أن الفترة السابقة للمبادرة الأممية شهدت خاصة تنامي التنافس الفرنسي-الإيطالي على الساحة الليبية تبعا لتباين التقديرات الاستراتيجية بين الطرفين كما سجل تراجع في دور الأطراف الإقليمية التي لطالما كانت صراعاتها تجد لها انعكاسا على المشهد في المرحلة المنقضية

عودة فرنسا منذ الصائفة الماضية إلى الانخراط بشكل مباشر في الشأن الليبي إثر فوز « إيمانويل ماكرون » برئاسة الجمهورية أفرز رعاية باريس لحوار يوم 25 جويلية في العاصمة « باريس » بين حفتر والسراج. حسب البيان الذي أعقب اللقاء تم الاتفاق حول عدد من النقاط من بينها وقف العمليات العسكرية من جهة وتوفير الظروف الملائمة للتغيير السياسي من جهة أخرى ووضع اللبنات الأساسية للاتفاق الأممي إلا أن عديد التقديرات تتحدث عن مفاهمات أخرى أتت على هامش اللقاء وتتعلق بالوضع في الجنوب الليبي وهو المنطقة التي توجد فيها المصالح الاستراتيجية الفرنسية بشكل خاص

من جانب آخر آثرت إيطاليا الاستناد إلى غطاء الاتحاد الأوروبي والشرعية الدولية لتعزيز دورها في ليبيا ثم قامت بجملة من الإجراءات الهامة من بينها إعادة إحياء الاتفاق الليبي-الإيطالي لسنة 2008 حول مكافحة الهجرة غير الشرعية وعقد اتفاقيات تهدف إلى تطوير المنظومة العسكرية لحرس الحدود في المناطق الجنوبية

سعت الحكومة الإيطالية دعما لهذا التوجه إلى تشكيل مفاهمات مع كل من التشاد والنيجر يوم 22 ماي الماضي للحد من توافد المهاجرين إلى الحدود الليبية كما قامت في نفس السياق بلقاءات أمنية مشتركة مع فرق عمل أمنية عالية المستوى من ليبيا والتشاد والنيجر ومالي

وفي خطوة أخرى عجلت إيطاليا بالتنسيق مع فايز السراج للتباحث حول إنشاء مركز في الجنوب الليبي يموله الاتحاد الأوروبي يضم قاعدة لوجستية للأنشطة التنفيذية لحرس الحدود في البلاد

في مرحلة متقدمة وبعد الشروع في مناقشة الاتفاق السياسي في تونس نظمت وزيرة الدفاع الإيطالية سلسلة من اللقاءات مع عدد من الفاعلين العسكريين في ليبيا حيث شمل اللقاء الأول « عبد الرحمان الطويل » الذي عينته حكومة الوفاق كقائد أركان الجيش الليبي ثم كان اللقاء الثاني مع »خليفة حفتر »

 سياق هذه اللقاءات يوحي بأن روما منخرطة بجدية في المبادرة الأممية حول تنظيم المسائل العسكرية وتوحيد الجيش الليبي فضلا عن ضمان مصالحها الخاصة من الأطراف العسكرية الليبية من خلال ضبط عملية مكافحة الهجرة غير الشرعية وحماية المصالح الاقتصادية في حقل مليتة النفطي في الغرب الليبي الذي تستغله حاليا شركة « إيني » الإيطالية

بعيدا عن التنافس الفرنسي-الإيطالي توجهت بريطانيا إلى الاستثمار في المجهودات الأمنية بعد العملية الإرهابية في مدينة « مانشستر » في ماي الماضي (قام بها جهادي ليبي) وقادت تنسيقا مع حكومة الوفاق على مستوى التأهيل الأمني

 كما بينت الأحداث التي حصلت في طرابلس في أوائل شهر سبتمبر وجود عملية أمنية سرية تشرف عليها وكالة الجريمة الوطنية البريطانية (أحد أجهزة وزارة الداخلية البريطانية) في طرابلس بهدف وقف تسلل الإرهابيين ضمن موجات الهجرة غير الشرعية من السواحل الليبية وتعتمد على نظام مراقبة متطور تكنولوجيا

أما من الناحية السياسية فقد بدأت بريطانيا تنخرط بقوة في الشأن السياسي بعد رعايتها لمؤتمر لندن الذي حضر فيه ممثلون دبلوماسيون من أعلى مستوى من الإمارات ومصر وإيطاليا وفرنسا ووزير الخارجية الأمريكي حيث حدد اللقاء الأرضية السياسية الدولية التي ستقوم عليها المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة

  يظل مع ذلك الدور الأمريكي حاسما في الحل السياسي للأزمة الليبية كما كان حاسما عسكريا سنة 2011. إذ أن الولايات المتحدة كانت ولا تزال المساهم الدولي الرئيسي في العمل الدبلوماسي للبعثة الأممية للدعم في ليبيا كما كان لها تأثير كبير في تزكية المبعوث الأممي الجديد « غسان سلامة » الذي يعتبر من الشخصيات المقربة منها سياسيا. أما من الناحية العسكرية فيبقى مجهود قوات « الأفريكوم » منصبا على منع عودة تنظيم الدولة إلى النشاط مجددا في ليبيا مع اتباع داعش لاستراتيجية شبكية جديدة مكنت من انتشاره في عديد المناطق الصحراوية المتفرقة داخل البلاد سواء كان ذلك في منطقة النوفلية قرب سرت أو في الجنوب الليبي في مناطق قرب « غات » و « أوباري »

المبادرة الأممية

بعد أشهر من العمل السياسي المتمثل في عقد الاجتماعات الدبلوماسية بدءا من الاجتماع الحادي عشر لمجلس دول الجوار الليبي بالجزائر في 8 ماي 2017 واجتماع المجموعة الرباعية حول الشأن الليبي (الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة) في بروكسل في 23 ماي الماضي بدأت ملامح خطة الأمم المتحدة حول الشأن الليبي في التبلور ليتم الإعلان يوم 20 سبتمبر الماضي على هامش الدورة 72 للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك عن محتواها

 تضمن مشروع المبادرة خطة سياسية تشرع في مرحلة أولى في تعديل اتفاق الصخيرات انطلاقا من المادة 12 منه ثم عقد مؤتمر وطني جامع سيشمل مختلف الأطراف الليبية سواء ممن تم استبعادهم في الحوارات السابقة على غرار أنصار النظام الجماهيري أو ممن همشوا أنفسهم (أنصار « حكومة الإنقاد ») وممثلين عن التشكيلات السياسية والاجتماعية الصغرى التي لم تشارك في اتفاق الصخيرات

في نفس السياق سيتم خلال هذا المؤتمر الوطني التوافق حول الشخصيات والأسماء التي ستشغل المناصب الجديدة في الهياكل السياسية إثر تعديلها حسب مخرجات الاتفاق الأول وسيواكب عمل الخطة الأممية حوار حول جوانب لإعادة تأطير الأجهزة الأمنية والعسكرية وإجراء مصالحة وطنية شاملة من الناحية الاجتماعية وهو محور هام بدأت بعثة الأمم المتحدة في الاشتغال عليه منذ مدة بعد رعايتها لمجموعة من جلسات الصلح بين بعض الأطراف المتخاصمة من قبيل الحوار الذي انعقد بين قبيلة المشاشية والزنتان في 18 ماي الماضي أو سلسلة النقاشات التي دارت في مالطا بين ممثلين عن قبيلتي « القذاذفة » و « أولاد سليمان »

يبقى المغزى الرئيسي للاتفاق إعادة بناء الهياكل السياسية وتجاوز مشكلة تنفيذ اتفاق الصخيرات بعد رفض مجلس النواب المصادقة عليه وهو ما أفضى حسب ما رشح من تصريحات إلى تعديل تركيبة المجلس الرئاسي ليشمل 3 أعضاء يمثلون الأقاليم الليبية عوضا عن تسعة كما هو الحال في التركيبة الحالية (سبق لرئيس مجلس النواب عقيلة صالح أن أدلى بهذا المقترح في اجتماعات الصخيرات) و عن تشكيل مجلس وزراء منفصل عن المجلس الرئاسي يترأسه شخصية مستقلة وهو ما تم الاتفاق عليه في النقاشات الدائرة بالعاصمة التونسية ليبقى الباب بعدها مفتوحا للحوار المنتظر حول الشخصيات التي ستشغل المناصب الجديدة

بالتوازي مع الاتفاق السياسي سيتم التشاور بين الأطراف المشاركة حول النسخة الأخيرة للدستور المتفق عليها يوم 29 جويلية وإشراك مختلف المكونات بملاحظاتها حوله ثم إعداد مجلس النواب لقانون للاستفتاء يشكل إطارا قانونيا للاستفتاء الشعبي حول الدستور لتنتهي المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في فترة لا تتجاوز السنة.

من الملاحظ أن المراحل الأولى من عمل المبادرة الأممية بدأت بخطوات يشوبها الغموض كما أن جدل التوافق حول الشخصيات الذي كان السبب الرئيسي في فشل اتفاق الصخيرات يمكن أن يشكل عائقا جديدا نحو تنفيذ ناجع للاتفاق السياسي ولكن الأخطر من كل ذلك تواصل الضغوطات الدولية والإقليمية على الأطراف الليبية وهو ما قد يأتي بعراقيل جديدة لسير عمل المحادثات

قيادة بعض العواصم الأوروبية بالخصوص لمشاريع موازية قد لا تتوفر على أرضية دعم دولية واضحة والتغير المتواصل لموازين القوى على الأرض يجعل من إدارة الحوار السياسي أمرا شديد التعقيد هذا عدا عن التشظي الذي أصبحت عليه الساحة العسكرية والتيارات الجديدة التي بدأت تبرز من حين لآخر على الساحة

العديد من الفعاليات الليبية شككت صراحة في جدوى الخطة الأممية منذ البداية وتعتبر الحوار الدائر تكرارا عقيما لنقاشات سابقة غير أن الموقف الأمريكي خلال اجتماع لندن أوضح حرصا خاصا على إنجاح هذه المرحلة من المفاوضات وقدم دعما سياسيا كبيرا للمجهود الأممي وهو ما من شأنه أن يشكل تحييدا لعدد من التأثيرات الإقليمية التي قد تسعى إلى المزيد من التشويش على المشاورات بهدف إطالة أمد الأزمة

أي دور يمكن للدبلوماسية التونسية أن تقوم به في إنجاح المفاوضات؟

لا يخفى أن الخطة الأممية للحل السياسي في ليبيا قد استوحت جزءا من أركانها من الرؤية التي قدمتها الدبلوماسية التونسية في مارس الماضي أ كان ذلك في طريقة إدارة الاتفاق السياسي أو في المراحل المؤدية إلى المصالحة الشاملة

فهذه المقاربة عموما كانت الأكثر منطقية من ناحية إعادة بناء المؤسسات في ليبيا لحرصها على استقطاب تمثيلية واسعة وحقيقية للأطراف الليبية الفاعلة لتجاوز العقبات التي أسهمت في إفشال المبادرات السابقة

لعل ممانعة « خليفة حفتر » في مناسبات عدة من الاتصال المباشر بالجانب التونسي شكل عائقا نحو نجاعة هذا الدور إلا أن الضغط الذي قامت به أطراف دولية (خصوصا الولايات المتحدة) أجبر « حفتر » على الرضوخ أخيرا حيث قام بزيارة إلى العاصمة التونسية يوم 18 سبتمبر الماضي

تداول الخطاب الرسمي تمحور النقاش حول التنسيق المشترك في موضوع مكافحة الإرهاب إلا أن تزامن هذه الزيارة مع حوار اللجان الأمنية الليبية في العاصمة التونسية حول هيكلة القطاع الأمني يرجح أن جزءا هاما من النقاش مع الجانب التونسي دار حول هذا الموضوع

لم يكن المحور السياسي الوحيد في أجندة أعمال الدبلوماسية التونسية إذ عقدت في العاصمة اجتماعات حوار اقتصادية جمعت بين ممثلي مصرف ليبيا المركزي وممثلي المجلس الرئاسي مع عديد الأطراف المالية الدولية وكذلك اجتماع منتديات خبراء ليبيا للتعاون الإنمائي. هذا عدا عن احتضان تونس لمقر بعثة الأمم المتحدة للدعم حول ليبيا وللفروع الإقليمية للمنظمات الدولية والإقليمية التي تعمل حول الشأن الليبي

إذ أن هذه الإمكانيات من شأنها أن تيسر التكامل بين مختلف ركائز الخطة الأممية وتكسب للمبادرة بعدا استراتيجيا

رعاية تونس للمشاورات تجعل فرص نجاح المبادرة الأممية للحل أكبر لتوفر إمكانيات التواصل والتباحث

أما في صورة تحقيق المصالحة الليبية الشاملة فإن ذلك سيصبح عاملا يمكن استغلاله في المستقبل لبناء قوة ناعمة تونسية ضمن الساحة الإقليمية. فمجال الخبرة الذي اكتسبته تونس في الانتقال الديمقراطي أنتج رصيدا هاما من المعرفة والخبرة تتجه الاستفادة منه في مرحلة الإصلاح التشريعي والمؤسساتي في ليبيا فضلا عن شبكة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن استثمارها وتدعيمها بمناسبة استضافة تونس للحوار الليبي

خير الدين باشا